القات في عِيدِه


تأخر إقرار هذا اليوم كثيرًا؛ فبالقياس إلى دور القات في حياة اليمني كان من المفترض أن يحتفى به منذ عقود طويلة، في زمن أصبح لأصحاب اليد اليسرى والشعر الأحمر وحتى القطط أيام خاصة بها!
ما استجد في المجال العام اليمني وجعل موضوع تقرير يوم للقات مهمًا أمران:


الأمر الأول عام، وهو بروز ثقافة الاحتفال وتقرير الأيام كمناسبات، فهذا لم يكن معروفًا -بحسب علمي- في الثقافات الشعبية العربية حتى جاءت دولة الاستقلال، أما قبل ذلك فكانت الاحتفالات الاجتماعية -وهي عديدة ومتشابكة- ترتبط عادة ب "الأحداث": الولادة، مواسم المطر، دخول الربيع، الأعراس، الختان و..الخ. 

أما تقرير يوم ل "شيء" فهو أمر جديد نسبيًا.

الأمر الثاني هو المعركة الثقافية التي يشهدها المجال العام -إن جاز اطلاق هذا الاسم على فضاء التداول والنقاش في اليمن حاليًا بعد اغلاق الصحف والمجلات وتدمير البلد- حول مسألة القات. 

 

منذ تسعينيّات القرن الماضي، تشكّلت طبقة جديدة من نخب الصحافة والإعلام وكتاب المقالة في اليمن تختلف كثيرًا عن تلك التي ظهرت في الخمسينيات والستينيات من حيث التصاقها بالمجتمع وفهمها له، وكذلك من حيث شكلها ومنابتها والوسط الثقافي والمهني الذي تعتاش عليه وتتحرك من خلاله.

 

الطبقة السابقة كانت مسيّسة بصورة أكثر عمقًا، وهذا لا يعني أنها كانت أكثر دهاءًا، ولكن يعني أنها كانت تقارب واقعها الاجتماعي بأفكار عمليّة وتجتهد في تحليل المشكل الاجتماعي. 

 

كان أغلبها يأتي من طبقات فقيرة او من الشريحة الدنيا في الطبقة الوسطى ويعمل في جهاز الدولة بدرجة رئيسية. هذا وقد كان الاصطراع الإيديولوجي العالمي على أشده وفي أحد جوانبه كان صراعًا أخلاقيًا، بمعنى أن كل معسكر كان يقدم تصوّره عن، ومشروعه ل، العدالة والحرية.

 

لهذا، يندر أن تجد في ذاك الجيل المتمرّد والثوري -والثوري هنا مجرد توصيف وليس للدلالة على مناقبية معينة- من رأى في القات المشكلة الحقيقية للبلد، وهو نفس الجيل الذي ثار على كل شيء وقاتل في كل زاوية: الإمامة والاستعمار والأمية والإقطاع وحتى التديّن، وظلت في صراع من الدولة والسلطة بشكل أو بآخر.

 

الطبقة الجديدة ظهرت في زمن المنظمات غير الحكوميّة ومؤسسات الأمم المتحدة، حيث أصبحت "الشياكة الأمريكاني" قدس أقداس المثقفين والصحفيين. انتهى الصراع الإيديولوجي وانتصرت أميركا، ولم يعد أحد يجرؤ أن يشير إلى تصور آخر عن حرية الإنسان خوفًا من سخرية هذه الطبقة الجديدة. 

 

هذه الطبقة ليست مسيّسة بالمعنى النضالي، بل هي معادية للسياسة بما هي التحرك العملي لتغيير الواقع الاجتماعي، وهي بالإضافة إلى ذلك لم تقارع نظام علي صالح ولا تفعل الآن ولن تفعل (فهي تقف مع الاستبداد في الجوهر مهما تحدثت عن الديمقراطية، وهذا يتسق مع تكوينها بالمناسبة وليس تناقضًا). فهي ظهرت واعتاشت من الهامش الذي فتحه لها النظام السياسي في زهوة انتصاره بعد 94 (علينا ألا ننسى هذه النقطة أبدًا). 

 

بالإضافة إلى هذا، تعتاش هذه الطبقة إما على التمويل الأجنبي، أو على العمل في المؤسسات الدولية التابعة للأمم المتحدة أو الهيئات الحقوقية والثقافية الغربيّة الأخرى. وهذا يعني أن إيديولوجيتها الفعليّة هي إيديولوجية السلطة التي تعيش تحت رعايتها وبفضلها والوسط الذي تعتاش منه.

 

تمتاز هذه الطبقة من سابقتها أيضا بانعدام الانتاج، فإذا كانت الطبقة السابقة قد انجبت البردّوني والمقالح وأبو بكر السقاف ومحمد عبد الولي وزيد دماج وغيرهم (ربما كان من ضرورات الأقدار أن يرحل عبد الحبيب سالم لأنه لم يكن مستعدًا ولا مؤهلا للانتماء إلى الطبقة الجديدة فهو امتداد أكثر عصرية للأولى) فإن الطبقة الجديدة لا يعرف لها انتاج ولا عمل حقيقي.. ولكن تمتاز ب "النجوميّة"، وهذا من منتجات ثقافة الجوائز الدولية التي استفحلت في العالم منذ التسعينيّات.

 

على كل حال، وباختصار شديد، الطبقة الجديدة "تثقفن" كل مشكلة وهذا منطلقها في محاربة القات، هذا بالإضافة طبعًا إلى صورة "النجم المتنور المتمرد" التي يسوّقها أفراد هذه الطبقة للآخرين وأمام أنفسهم عندما يحولون الإنسان وثقافته إلى أم المشاكل.

 

في التحليل الأخير، وبعيدًا عن أغلب النقاشات التي تثيرها مكونات هذه الطبقة -وأغلبها مكابرة وناتجة عن نرجسية مجروحة قبل أي شيء آخر- الواقع يحلل بالعوامل، ومن المؤسف أننا بحاجة للتأكيد على هذا في حين أنه بدى ظاهرًا لابن خلدون قبل مئات السنين، وأصبحت هناك علوم بأكملها تقوم بهذه المهمة.. وعندنا ناس يفسرون عقودًا من الأمية والجهل والدمار الأخلاقي والمرض والتسرب المدرسي وانهيار التعليم وانتشار التطرف الديني في ظل واحد من أقذر الأنظمة الفاسدة في العالم الثالث وفي واحدة من أفقر دول العالم_ أقول أنهم لم يروا كل هذا بل ويفسرونه كله من خلال "الأعشاب"!

 

من حسن الحظ أن ثورة فبراير اندلعت، فأسقطت هيمنة هذه الطبقة التي ظنت أنها قد استولت على فضاء البلد وتفرغت ل "الوعظ والمحاضرات".. وما هذا اليوم وتقريره إلا دليل جديد على القوة الصاعدة التي ستغلب في نهاية المطاف غثاء السيل هذا.. وإن غدًا لناظره قريب.
طاب مقيلكم وكل عام وأنتم بخير.

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص