الإسلام ضد الإسلام


الشعور بالبرد القارس في ذروة الصيف الساخن، وجهاز التكييف مغلق والمروحة متوقفة عن الدوران، والبرد يشتد والعرق ينهمر، إنه فعل الحمى المصحوبة بالزكام والصداع في ليلة مختلفة لم أمر بها منذ سنوات، سألت نفسي عما إذا استمر البرد ليلة أخرى هل ستتساقط البرد وقطع الثلج من جسدي بدلا عن حبات العرق؟

 

الحمدلله لم تستمر عاصفة البرد، والغريب أنها لم تفقدني الشهية للطعام، فبعد غفوة قصيرة استيقظت الواحدة ليلا، وأنا اشتهي عصيد "غرب" مع سحاوق وزف، الغرائب مع البرد جيدة، لكن "الغرب" مغيب فتم استبدالة بفتة بر مع اللحم، وقام المريض يأكل شرها شكرا أيها البرد على هذه الزيارة الطيبة.

 

على قدر البرد يكون الدفء لا خلاف في هذا، لكن الحمى طاردة للنوم، استهلكت الوقت في قراءة أخبار ساخنة وبنفس الوقت تشعرك بالبرد أيضا، لا شيء يأتي من ديار العرب يشعرك بالراحة، الكل ينتظر المشهد الدنيوي الأخير قبل اتساع عرصات القيامة، متى سيعقل العرب أن قيام القيامة ليس في صالحهم نهائيا، لأنهم سيتجردون من شهود الزور، ومن أغطية الكذب، وسيكشف كل شيء للعلن، لحانا المستعارة ستسقط، والحجب ستسقط، وطاقية الاخفاء ستختفي أيضا، سيتعرق العرب الذين لا يعرقون أبدا، حتى أنا في الليلة الباردة تعرقت كثيرا.

 

كان صديقي "الغانبي" يسألني عن حقيقة الذي يجري في بلادنا العربية على اعتبار أنها بلاد واحدة، قال يبدو أن هناك خطأ ما في كل هذا 

 

-يريد أن يجاملني ويلطف الجو قليلا-، لكنه عاد للتساؤل: معقول أن العرب ضد العرب والإسلام ضد الإسلام؟ فبهت الذي كفر! ليس لديَّ إجابة تقنعني أنا كيف أقنعه هو، حتى لو أعدت له سرد كتاب الصادق النيهوم "إسلام ضد الإسلام" لن أجد لا أنا ولا هو إجابة مقنعه فالكتاب يتحدث عن ترشيد الخطاب واستعادة دور المسجد الذي انهته السياسية.

 

حاصرني في الزاوية يا إما انتحر أو أجيب، وكأن حصار البرد لا يكفي، أخبرته أني قادم إليه بعد ليلة جن ومرض وبرد، وكل الذي أشعر به أني أسبح في الهواء.

 

قبل أيام شاهدت رجلا يدخل في الإسلام ويمسك بيده رجلا أخر تفصل بينهما طاولة خشبية، الرجل المهتدي يمسك بورقة بيده اليسرى ويقرأ منها ويتلوا ما يقوله المسلم المقابل له مصافحا له بيده اليمنى، المنظر مهيب، تذكرت محاولاتي قبل سنوات إقناع أم فاضلة بالإسلام، أعطيتها كتب حول الإسلام مترجمة للإنجليزية، حصلت عليها من صديق سلفي كانت الكتب صادرة عن مؤسسة قطرية وبدون أسماء مؤلفين، تم تحريف هوية الكتب، واحد منها كتاب التوحيد لمحمد بن عبد الوهاب، وكتب السلفية هنا ممنوعة، فكانت الحيلة استخدام إسم المؤسسة القطرية، لا أدري إن كانت واحدة من المؤسسات التي ادرجت ضمن قوائم الإرهاب مؤخرا أم لا.

 

اكتشفت من خلال الحديث إليها أنها تؤمن بالله الذي في السماء، قالت لي أنه هو من وهبها ابنتها التي تدرس في الجامعة، وأنها كانت تنتظر أن يهبها ولدا لكنه لم يفعل، وهي غير معترضة على حكمته، قلت في نفسي هذا وهي بوذية وغير معترضة ومؤمنة بقدر الله وحكمته كيف لو أنها دخلت معانا في دين الله أفواجا؟

 

المشهد والذكريات جالت بخاطري وأنا أريد أن أوضح لصديقي حقيقة ما يحصل للعرب المسلمين، ماذا أقول له وهو مؤمن بالله على هدى المسيح عليه السلام، وباحث في السياسة، هل أخبره أن هناك مشكلة في ذات الدين كما يزعم العلمانيين العرب؟ لكني تذكرت أنهم يستخدمون العلمانية كغطاء وقناع للطائفية المجنونة، لم أحب أن اوجع رأسه بمعلومة لا قيمة لها.

 

إذا هل أخبره أن المشكلة تكمن في التدين المغشوش؟ كيف أشرح له أن لكل فئة من المسلمين نسختهم الخاصة من الإسلام تمثل فهمهم له وتعاطيهم معه، ومعرفة مقدار بعد تلك النسخة وقربها من إسلام الله يحتاج الأمر إلى دراسات مقارنة للاقتراب من المعرفة لذات المعرفة بموضوعية وبدون أغراض سياسية أو دعائية .

 

كان باتريك هايني الباحث السويسري في العلوم الاجتماعية، قد غاص في المجتمع المسلم وعاش في مصر واندونيسيا وتركيا، وتعرف على الإسلاميين بغرض دراستهم عن قرب ولذلك تعلم اللغة العربية، وكتب كتابه إسلام السوق، وفيه عرض انفتاح الإسلاميين على الناس وكيف طوروا تدينهم واصبحوا "منجمنت" مؤمنين بعلم الإدارة، طوروا اناشيدهم ودمجوا فيها الموسيقى، وحجاب نسائهم ليس بعيدا عن الفاشن والموضة، قال كلاما كثيرا عن تحديث انماط التدين اتساقا مع السوق كالانفتاح على العالم وظهور عنصر الذاتية عند الأفراد، الذات أهم من التنظيم الحركي، والتخلي عن شعارات مثل الإسلام هو الحل، والتخلي عن الخلافة كنظام حكم، قام بغربلة موقع إسلام أون لاين -عندما كان هذا الموقع ذا قيمة فكرية- وحلل ودقق في الطروحات الفكرية التي كانت تنشر فيه، خلص الكتاب إلى مالم تخلص إليه أنظمة الاستخبارات، لقد تحول الإسلاميين من فكرة الحاكمية ودولة الخلافة إلى فكرة الدولة المدنية التي أسماها بالنيوليبرالية.

 

أخبرته على استحياء أن المشكلة ليست في المجتمع إنما في السياسات، هذه الخلافات التي تراها يا صديقي الأسمر في عالمنا العربي هي سياسية المنشأ، واقتصادية في مجملها بحثا عن قوة السلطة وقوة المال، لكنه أخبرني بأنه لم يقتنع وذلك لترديد الإعلام أحاديث عن الإسلام والجماعات والطوائف، والسنة والشيعة.

 

هذه إفرازات مجتمعية عبر الزمن وموجودة في غير مجتمعاتنا أيضا قلت له، لكنها توقفت عن النمو وقل المتعصبون الذين تركوا تلك الخزعبلات وأمنوا بالدولة، دولة المواطنة والمساواة دولة الجميع، وهذه لب مشكلتنا يا صديقي الذي يؤسفني أن لا أدعوك للإسلام، لأني لم أعد مؤمنا بأي من النسخ المطروحة منه في السوق، لا الشيعية ولا السنية، لانتزاع الصفة الإنسانية من هذه النسخ وتحولها عن طريق الدين الذي ولد عالميا وانتهى اتباعه قرويون، لست داعية ولا أريد مؤمنين جدد، فربما اضله الطريق وأخذه من دينه العالمي إلى مذهبي القروي، أحدث نفسي عن ضمه والحاقه من عدمه وكأني استطعت إزالة شبهة إسلام ضد الإسلام من وجهة نظره، عجبا لي.

 

كل الناس يختلفون لكنهم لا يصلون إلى القطيعة، أخبرته عن حكاية رواها لي صديق عن أمه وخالته اللتان اختلفتا على الحطب في إحدى القرى البعيدة، وقررتا عدم المضي في نفس الطريق، مع أنهما تسكنان في ركن واحد من أركان القرية الجبلية، كانت إحداهما تملك بقرة وكانتا تقتسمان السمن والحليب، لكن الخلاف أوقف هذا الشيء الجميل والتكاتف، قررت الأخرى أن تشتري بقرة لأجل إطعام اطفالها من اللبن والسمن كي لا يتأثر مستواهم الغذائي، اعتمدت على نفسها أخيرا، وأسقطت عن نفسها الحاجة، كان صديقي يحاول الصلح بينهما لكن نساء القرية عنيدات ولا يعرفن من الإسلام إلا الفاتحة وسبحان الله وقل هو الله أحد، أما المعاملة والسلوك فعلى ما جبلتا عليه.

 

أخبرته أن حكايتهما إفرازات إجتماعية وليست من الإسلام في شيء فالدين نظريا هو المعاملة، والدين ليس نظرية في كتاب بل سلوكا متبعا في الحياة، ومشكلتنا تتلخص يا صديقي في سلوكنا غير السوي.
كل تخلفنا كمسلمين يعود بالمزيد من النقاط السوداء على الصورة النمطية للإسلام وهي المشوهة أساسا، كل حروبنا وخلافاتنا تنعكس على الصورة النمطية للإسلام.

 

على المستوى الشخصي لم أعد أنظر للعرب بأنهم قادرين على تغيير صورتهم أمام العالم، ولا أنتظر منهم إقامة نهضة حقيقية في أوطانهم الطاردة للسكان والاستثمار فهي بلدان غير مستقرة، أما الإسلام فسيجد له طريقا أخر كما وجد الأكراد الأيوبيين، والمماليك والأتراك العثمانيين، ونهضوا ورفعوه عاليا، " وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (٣٨)' [سورة محمد].

 

عالمية هذا الدين ليست محل جدل، ربما يظهر من أوروبا أو أميركا أو من الجزء الأخر في أفريقيا، ربما من جنوب شرق آسيا من اليابان أو من منغوليا فالأرض لله وعهده لا يناله الظالمون، من حولوا الإسلام إلى نقمة على أنفسهم وعلى الأخرين لا يمكن أن يصدقهم العالم.

 

أحتاج أن أقول للمسلمين من غير العرب لا تصدقونا فنحن مجرد قبائل نسختنا من الإسلام كتبت أما بواسطة بكر أو تغلب، وداحس والغبراء مازلا موجودين في عهد طائرات الايرباص العملاقة، فخيالنا مربوط بالإبل دونما تفكر بخلقها كما أمرنا القرآن.

 

لا تاخذوا عنا تعصبنا للمذاهب لا تحتاجون مذاهبنا ولا معارفنا، لا تحتجوا بإسلامنا الرسمي ولا بإسلام المذاهب، فنحن عرب خرجنا عن نطاق الفاعلية.

 

ابحثوا عن الله في قلوبكم في محكم الآيات في الكون ستجدونه، لا تبحثوا عنه عندنا نحن العرب فقد اضعناه في ليلة غائمة، ولم نلتقي به ثانية.

 

سألني صديقي ونحن في سيارته متجهين نحو المحطة التالية إذا ما كنت أحب الموسيقى أو أسمعها وأنا صايم، قلت له نعم أحبها فهي خير من أصوات المدافع ومن أصوات المختصمين القادمة من بلاد واق الواق، فأنا كما تعرف ياجوهان، مسلم ديموقراطي، وقبل أن أودعه أخبرته أني ساحدثه في المرة القادمة عن الثقافة والحضارة اليمنية وهي واحدة من أهم حضارات الشرق.

 

نقلاً عن موقع الصحوة نت

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص